الأكثر زيارة

    رؤى T57الذكاء الاصطناعي والتقنية

    من المزرعة إلى المائدة في جلفود: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والكفاءات البشرية بناء الثقة في سلسلة الغذاء العالمية

    خلاصات من جلسة في جلفود 2026 عن الثقة في سلسلة الغذاء.‏

    صورة غلاف مقال «من المزرعة إلى المائدة في جلفود: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والكفاءات البشرية بناء الثقة في سلسلة الغذاء العالمية»

    في 26 يناير 2026، جلست بين الحضور في جلفود أستمع إلى مؤسسنا ورئيس مجلس الإدارة ورئيس الاستراتيجية، أفضل حسين محمد ناخيب، متحدثًا في جلسة «التقنيات الرائدة والأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي: محرّكات استراتيجية للقيمة في منظومة غذائية ذكية». وشاركه المنصة شيل خيارا، الرئيس التنفيذي لشركة Swarm، ومارك أوشيما، الرئيس التنفيذي لشركة Oshima Good Food، والدكتورة غريس إس. تومسون، مديرة عيادات سياسات الذكاء الاصطناعي في مركز الذكاء الاصطناعي والسياسة الرقمية (CAIDP). وحين سمعتهم على تلك المنصة، وصناعة الغذاء العالمية كلها من حولنا، اتضح لي ما ينبغي أن نركّز عليه جهودنا في T57.‏

    تجوّل بين أروقة جلفود، وستكاد تلمس التحديات الكامنة التي تسري في منظومة الغذاء العالمية. تحدثت إلى أهل الصناعة، وأشار كثير منهم إلى شحنات تصل متأخرة أو تالفة، وأسعار تتأرجح بعنف، ومشترين لا يزالون يتخذون قراراتهم بمعلومات منقوصة وغير موثوقة أحيانًا. ومع ذلك، فالتقنيات القادرة على تغيير هذه القصة، من الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين وإنترنت الأشياء إلى نماذج حوكمة البيانات الجديدة، موجودة بالفعل. والسؤال الحقيقي، كما أوضحت جلستنا، هو: ما مدى سرعتنا في تحويلها إلى بنية موثوقة وسهلة الاستخدام من المزرعة إلى المائدة؟‏

    على امتداد سلسلة الغذاء، يسير الجميع في عتمة جزئية. هذه هي الحقيقة المؤلمة. فنادرًا ما يعرف المزارعون آنيًا كيف سيكون الطلب والأسعار في الأسابيع المقبلة. وكثيرًا ما يتسلّم المشترون والطهاة بضائع لا تستوفي معايير الجودة أو الصلاحية المتوقعة، فيضطرون إلى تغيير قوائم الطعام في اللحظة الأخيرة أو شطب الخسائر. ويثق المستهلكون بالملصقات والعلامات التجارية أكثر من ثقتهم بالبيانات الموثّقة، لأن تلك البيانات ليست متاحة بطريقة بسيطة وقريبة من الناس. وهذه ليست فجوة تقنية فحسب، بل فجوة في المنظومة. فالبيانات موجودة، لكنها مجزّأة ومحتكرة، ونادرًا ما تتحوّل إلى قرارات تحمي الهوامش والناس في آن واحد.‏

    كيف يعيد الذكاء الاصطناعي والمعرفة المحلية بناء الثقة من المزرعة إلى المائدة؟‏

    ذهبت مداخلة أفضل في الجلسة مباشرة إلى لبّ المشكلة: الذكاء الاصطناعي في قطاع الغذاء لا يمكن أن يكون نموذجًا عامًّا ضخمًا واحدًا في السحابة، بل يجب أن يكون محليًا، مبنيًا على واقع كل منطقة من طقس وتربة ومياه وطلب. وتحدّث عن الحاجة إلى نماذج ذكاء اصطناعي إقليمية أصغر، وإلى شراكات بين القطاعين العام والخاص تشترك فيها الحكومات والجامعات ومنصات مثل T57 في بناء هذه النماذج، مع حوكمة وتنظيم مدمجين فيها منذ البداية. وهذه بالضبط البنية التي نريد أن نمضي فيها في T57: ذكاء محلي يتواءم مع ظروف المزارع الفعلية واحتياجات المشتري، لكنه متصل بشبكة عالمية تمكّن الأطراف في سوق ما من استباق الصدمات في سوق أخرى.‏

    هل يمكن أن تصل إمكانية التتبّع إلى كل مطبخ ومستهلك؟‏

    إمكانية التتبّع هي أوضح تعبير عن هذا التحوّل. ففي جلسة الأسئلة التي أعقبت النقاش، سأل أحد الحضور من قطاع الضيافة إن كان بالإمكان أن يصل التتبّع إلى المطابخ والمطاعم. فرسم أفضل صورة تطابق ما نبنيه في T57: تخيّل مطعمًا في الإمارات يمسح منتجًا ضوئيًا فيرى فورًا المزرعة التي زُرع فيها في أبوظبي، وتاريخ الحصاد ووقته، واسم المنتج، ودرجات حرارة التخزين في كل مرحلة من الرحلة، وما إذا كان المنتج قد أُذيب ثم أُعيد تجميده يومًا. يساعد الذكاء الاصطناعي على تفسير هذه المعلومات والتصرف بناءً عليها، لكن البلوك تشين وإنترنت الأشياء هما ما يجعلان البيانات آنية ومقاومة للتلاعب. فإذا فُصلت حاوية مبرّدة عن الكهرباء بضع ساعات في عرض البحر، فيجب أن يعلم كل من في السلسلة بذلك، وأن يتمكّن من تسعير هذا الخطر وفقًا له.‏

    وهذه الرؤية ذاتها ضرورية لسلامة الغذاء والامتثال وادعاءات الاستدامة. فملصقات مثل «غير معدّل وراثيًا» و«عضوي» و«منخفض الكربون» و«تجارة عادلة» لا يمكن أن تعتمد على الثقة وحدها في عالم من سلاسل الإمداد المعقدة متعددة الدول. فبالجمع بين بيانات المستشعرات وصور الأقمار الصناعية وبيانات القياس اللوجستي وسجلات المعاملات، يستطيع الذكاء الاصطناعي رصد الحالات الشاذة، والتنبؤ بنتائج الجودة، وكشف المخاطر قبل أن تتحوّل إلى أزمات. وهذا بالنسبة إلينا في T57 ليس ميزة فحسب، بل جوهر نظام تشغيل جديد للغذاء تتحرّك فيه البيانات بحرية وموثوقية كما تتحرّك البضائع نفسها.‏

    ما الذي يلزم لتكون المنظومة الغذائية الذكية في متناول الجميع؟‏

    لكن لا قيمة لكل ذلك إن لم يستطع استخدامه إلا قلّة من ذوي التعليم العالي. ومن أقوى لحظات الجلسة حين وصف أفضل حالة استخدام بسيطة: مشترٍ يرسل رسالة صوتية عبر واتساب يقول فيها: «أريد هذا الأسبوع أرخص برتقال عضوي غير معدّل وراثيًا وبأفضل جودة»، ثم يتولّى الذكاء الاصطناعي العمل الشاق خلف الكواليس. فأغلب العاملين في الزراعة والتجارة والخدمات اللوجستية، بل وفي كثير من المطابخ، ليسوا علماء بيانات ولا مهندسي أوامر للذكاء الاصطناعي، ولا ينبغي أن يُطلب منهم ذلك. وبحكم دوري رئيسًا للتقنية، فهذا قيد تصميمي: يجب أن تبدو الواجهات كتطبيقات المراسلة، لا كأدوات البرمجة.‏

    وأبرز المتحدثون الآخرون الأبعاد الإنسانية وأبعاد الحوكمة التي لا يمكننا نحن التقنيين تجاهلها. فقد أكّد شيل أن الذكاء الاصطناعي لن يحقق قيمة دون الناس، ودعا المؤسسات إلى البدء بالقرارات عالية المخاطر بدلًا من التجارب المجرّدة. وقد لامس ذلك بعمق الطريقة التي نركّز بها خارطة طريقنا في T57: فنحن ندمج الذكاء الاصطناعي في خيارات ملموسة، ماذا نشحن، ومن أين نورّد، وكيف نسعّر، قبل أي شيء آخر. أما مارك، مستندًا إلى خبرته في الزراعة في البيئات المتحكّم بها، فتحدّث عن المزارع العمودية، التي تنتج ملايين نقاط البيانات التي تتيح تصحيح المسار آنيًا، فتصبح المحاصيل أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر صمودًا. وهي تُرينا نوع دعم القرار الذي نريد أن نقدّمه أيضًا لمزارعي الحقول المفتوحة وللتجار.‏

    ورسّخت الدكتورة غريس تومسون الحوار في الأخلاقيات والقانون والاستراتيجية الوطنية. فتحدثت عن الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051 في الإمارات، وتوصيات الهيئات الدولية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأسئلة الصعبة التي يجب أن تطرحها المؤسسات على مورّديها حول مصدر البيانات والموافقة والتحيّز والمساءلة. وبينما كنت أستمع، رأيت منظومتنا التقنية من هذه الزاوية: فـ T57 لا تربط البيانات والنماذج فحسب، بل تدمج أيضًا الشفافية وقابلية التدقيق وخطوطًا واضحة للمسؤولية عمّا تفعله أنظمتنا.‏

    بالنسبة إلى T57، لم يكن جلفود 2026، ولا تلك الجلسة تحديدًا، مجرد موعد في مؤتمر، بل كان مرآة وتكليفًا. ففي تلك القاعة، وأفضل على المنصة إلى جانب شيل ومارك والدكتورة غريس، رُسمت ملامح المنظومة الغذائية الذكية: نماذج ذكاء اصطناعي إقليمية بدل النماذج العملاقة الموحّدة، وتتبّع من المزرعة إلى المائدة، وواجهات تتمحور حول الإنسان، وحوكمة قوية للبيانات والأخلاقيات.‏

    ومهمتي الآن أن أبقى مركّزًا على هذه الرؤية المشتركة، وأن أحوّلها إلى برمجيات وبنية تحتية وخدمات يستخدمها المزارعون والمشترون والتجار وكبار الطهاة دون عناء. وإن نجحنا، ففي المرة القادمة التي نعود فيها إلى جلفود، لن يكون شعار «من المزرعة إلى المائدة» مجرد عبارة نناقشها في الجلسات، بل واقعًا شفافًا قابلًا للقياس نتشاركه ونعرضه على الأرض.‏

    رؤى عملية في تجارة الغذاء والأسواق والتقنية.‏

    ابدأ الآن

    انضم إلى T57