حين غادرت طماطم راجيش كومار بوابة مزرعته في دهانو، على أطراف مومباي، لم يكن يتخيّل ما سيحدث: رفض المشتري دفع المبلغ كاملًا، بحجة أن الطماطم لم تكن بالجودة المتفق عليها. وخسر راجيش كومار، مثل ملايين صغار المزارعين حول العالم، لا جزءًا من رزقه فحسب، بل ثقته بمنظومة يُفترض أنها وُجدت لتصله بالأسواق.
ومثل هذه الحوادث ليست فردية. فالبنك الدولي يقدّر أن 30% إلى 40% من الغذاء المنتَج يُفقد أو لا يُؤكل، ويقع أكثر من 40% من هذا الفقد في الدول النامية في مرحلتي ما بعد الحصاد والتصنيع، بسبب قصور البنية التحتية وضعف التتبّع والمساءلة. وفي المقابل، يواجه نحو 733 مليون إنسان الجوع (بيانات 2023)، أي واحد من كل 11 شخصًا في العالم، وواحد من كل 5 في أفريقيا. والمسبّب ليس الندرة، بل غموض عمليات التجارة التقليدية.
ما الذي يجعل سلاسل الإمداد الغذائية التقليدية هشّة إلى هذا الحد؟
تعمل سلاسل الإمداد الغذائية التقليدية مثل لعبة «الهاتف المعطّل» تُلعب عبر القارات. فثمرة المانجو تمرّ بسبعة إلى اثني عشر وسيطًا من بستان هندي إلى متجر في لندن، يضيف كل منهم هامشه، بينما تبتعد المستندات عن الواقع شيئًا فشيئًا. ويضيف الموزّعون عادة 10 إلى 30% لتغطية كلفة التخزين والنقل، ثم يضيف تجار التجزئة 20 إلى 50% أخرى قبل أن تصل المنتجات إلى الرفوف. وتُزوَّر سجلات درجات الحرارة، وتُكرَّر شهادات المنشأ، وتتحوّل شهادات الجودة إلى أختام لا معنى لها على أوراق بالية.
والكلفة ليست مالية فحسب. فحين أصاب خسّ روماني ملوّث ببكتيريا الإشريكية القولونية 80 شخصًا على الأقل وتسبّب في وفاة واحدة في 15 ولاية، عجز المحققون عن تتبّع مصدر التلوث لأن الخسّ لم يعد موجودًا على رفوف الأسواق. وبحلول ذلك الوقت، يكون المزارعون في ولايات عدة قد أتلفوا محاصيلهم كاملة، وتكون الخسائر الاقتصادية لقطاع الخضراوات الورقية قد بلغت الملايين.
هل تستطيع التقنية حقًا أن تقدّم «الحقيقة الثابتة»؟
تقدّم البلوك تشين شيئًا ثوريًا: سجلًا واحدًا مقاومًا للتلاعب يرافق الغذاء من التربة إلى البيع. فحين طبّقته شركات مثل IBM Food Trust بالشراكة مع Walmart، اختصرت التقنية زمن تتبّع المصدر من سبعة أيام إلى 2.2 ثانية فقط. ففي الاختبار، تتبّعت Walmart شرائح مانجو إلى مزرعتها الأصلية في 2.2 ثانية، في عملية كانت تستغرق من قبل 6 أيام و18 ساعة و26 دقيقة.
تخيّل كيف يمكن أن يغيّر ذلك واقع كومار. فكل معاملة، من شراء البذور إلى الحصاد إلى النقل، تصبح كتلة دائمة مؤرّخة بالوقت ومرتبطة بما قبلها. وتصرف العقود الذكية المبلغ تلقائيًا حين يؤكد نظام تحديد المواقع التسليم، وتتحقق مستشعرات إنترنت الأشياء من الالتزام بدرجات الحرارة. فلا يستطيع أي وسيط أن يدّعي أنه لم يكن ثمة عقد، أو أن التسليم لم يحدث، أو أن المنتج لم يطابق بيان الشحنة. ولا يستطيع أحد أن يؤرّخ سجل تلف بتاريخ سابق.
لكن التحوّل الأعمق يحدث على مستوى المنظومة. فالبلوك تشين يخلق ما يسمّيه الاقتصاديون «الشفافية الجذرية»: تماثلًا في المعلومات يعيد توازن القوة بين صغار المنتجين وكبار المشترين. فحين يستخدم مزارعو البن الإثيوبيون منصات البلوك تشين لإثبات أن حبوبهم عضوية ومطابقة لمعايير التجارة العادلة مباشرة أمام المحامص في سياتل، يمكنهم الحصول على أسعار أعلى بنسبة 20% من أسعار السوق السائدة، بالاستغناء عن وسطاء التحقق. وقد طوّرت شركة Moyee Coffee في إثيوبيا هويات رقمية لـ350 مزارعًا، تتيح للمشترين أن يروا بدقة كم يكسب كل مزارع.
أين تقع البلوك تشين في معادلة تجارة الغذاء؟
تجارة الغذاء لا تقتصر على الإنتاج وحجم التداول، بل تشمل الوصول والقدرة على تحمّل التكلفة والحدّ من الهدر. والبلوك تشين تعالج الثلاثة معًا.
فالوصول يتحسّن حين يدخل صغار المزارعين السوق مباشرة. ففي كينيا، تستخدم Twiga Foods منصات تقنية تربط أكثر من 17 ألف مزارع بالبائعين والأسواق، فتدفع للمزارعين أكثر مما يدفعه السماسرة ومجموعات المزارعين، وتسدّد مستحقاتهم كاملة خلال ساعات عبر المال المتنقل.
والقدرة على تحمّل التكلفة تتحسّن حين تنكمش أوجه القصور في سلاسل الإمداد، التي تضيف 15 إلى 30% إلى أسعار الغذاء عبر هوامش الوسطاء المتعددين. فالعقود الذكية تنهي نزاعات الفواتير وتسرّع دورات الدفع، فيتحسّن التدفق النقدي للمزارعين، وتقلّ حاجة تجار التجزئة إلى رأس المال العامل.
والحدّ من الهدر يصبح قابلًا للقياس والمساءلة. فحين يرى كل طرف مستويات المخزون وإشارات الطلب لحظة بلحظة، يقلّ الإفراط في الإنتاج، ويصبح التوزيع استباقيًا لا ردّ فعل. والقدرة على تتبّع التلوث في 2.2 ثانية بدلًا من أسابيع تمنع الهدر الهائل لعمليات السحب الاحترازية التي تُتلف الغذاء السليم والملوّث على حد سواء.
ما العوائق الواقعية أمام تطبيق البلوك تشين؟
البلوك تشين ليست حلًا سحريًا. فنجاح تطبيقها يتطلّب انتشار الهواتف الذكية، واتصالًا موثوقًا بالإنترنت، ومعرفة رقمية، وهي موارد موزّعة توزيعًا غير متكافئ في المناطق التي تعاني أسوأ نقص في الغذاء. والتقنية تعمل ببراعة في سلاسل البن الفاخر، فتثبت المنشأ للمستهلكين الواعين، لكن توسيعها أصعب لمزارعي الكفاف الذين يبيعون الكسافا في الأسواق المحلية.
والرابحون حتى الآن هم الشركات الكبرى التي تملك الموارد لبناء سلاسل كتل خاصة أو تشاركية. فـ Walmart تُلزم مورّديها باستخدام منصة Food Trust لجميع الخضراوات الورقية الطازجة. وطبّقت كارفور التتبّع عبر البلوك تشين في خطوط منتجات عدة، منها الدجاج والألبان والبيض والخضراوات والفواكه، مع خطط للتوسّع في جميع شركاتها التابعة. وهذه التطبيقات ترفع الكفاءة، لكنها لا تتيح الوصول للجميع تلقائيًا.
وتظهر الإمكانات التحويلية حين تتعامل الحكومات والمنظمات غير الحكومية مع بنية البلوك تشين بوصفها منفعة عامة، باستخدام منصات مثل T57 يستطيع صغار المنتجين الوصول إليها بتكلفة ميسورة.
من سيتحكّم في البنية التحتية، ومن سيحصد القيمة؟
إن قدرة البلوك تشين على تغيير تجارة الغذاء تتوقف في النهاية على من يتحكّم في البنية التحتية ومن يحصد القيمة. فإن طُبّقت بمنطق الاستغلال، صارت أداة أخرى للشركات الكبرى لمراقبة الموردين ونقل المخاطر إلى أسفل السلسلة. وإن طُبّقت بمنطق الشمول، صارت بنية تحتية للثقة تتيح لصغار المنتجين المنافسة بالجودة لا بالسعر وحده. وهذا هدفنا في T57.
السؤال ليس ما إذا كانت البلوك تشين قادرة على تغيير رحلة الغذاء من المزرعة إلى المائدة، فالمشاريع التجريبية أثبتت ذلك بالفعل. بل السؤال: هل سنبني هذه الأنظمة لتركيز القوة أم لتوزيعها، ولتعظيم الهوامش أم لتقليص الجوع؟
يفصل راجيش كومار عن حصاده التالي من الطماطم ثلاثة أشهر. وما إذا كانت البلوك تشين ستساعده على نيل القيمة العادلة أم ستجعل استغلاله أكثر كفاءة فحسب، أمر تحدّده قرارات تُتخذ الآن في مجالس الإدارة والمكاتب الحكومية وبنوك التنمية حول العالم.
*إحصاءات وحقائق عن هدر الغذاء (2025)، Sci-Tech Today
