«لا تحاول توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي، بل حاول أولًا توسيع نطاق قرارك، واختر ذلك القرار عالي المخاطر. فالذكاء الاصطناعي يمنحك هدية وخيارًا: الهدية هي الوقت، والخيار هو: ماذا سنفعل به؟» شعرت أن كلمات شيل خيارا هذه حدّدت نبرة جلستنا الحوارية في جلفود 2026 بعنوان «التقنيات الرائدة والأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي: محرّكات استراتيجية للقيمة في منظومة غذائية ذكية». وظلّت كلماته عالقة في ذهني طويلًا بعد أن قالها.
جلست إلى جانب شيل خيارا، الرئيس التنفيذي لشركة Swarm، ومارك أوشيما، الرئيس التنفيذي لشركة Oshima Good Food، والدكتورة غريس إس. تومسون، مديرة عيادات سياسات الذكاء الاصطناعي في مركز الذكاء الاصطناعي والسياسة الرقمية (CAIDP)، فوجدت نفسي لا أشارك في جلسة فحسب، بل أتعلّم من ثلاث رؤى مختلفة تمامًا، لكنها عميقة الاطلاع، حول الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل منظومات الغذاء. كان الحوار سريع الإيقاع لكنه واقعي، ينتقل من الأفكار الكبرى إلى الحقائق العملية التي يتعيّن على شركات الغذاء وصانعي السياسات والتقنيين مواجهتها اليوم.
ومنذ بداية النقاش، برزت ثلاثة أسئلة جوهرية رسّخت مسار الحوار:
- كيف نضمن أن يصنع الذكاء الاصطناعي في منظومات الغذاء قيمة حقيقية، لا مزيدًا من البيانات ولوحات المؤشرات فحسب؟
- كيف يبدو الذكاء الاصطناعي «المسؤول» أو «الجدير بالثقة» فعلًا في الزراعة وسلاسل إمداد الغذاء؟
- كيف ننتقل من التجارب ونماذج إثبات المفهوم إلى تحوّل واسع على مستوى المنظومة، دون أن نغفل المزارعين والمستهلكين والجهات الرقابية؟
في السؤال الأول، أي صناعة قيمة حقيقية، أصبحت رؤية شيل التي تنطلق من القرارات لا من التقنية بمثابة البوصلة. فقد رأى أننا إذا بدأنا بأعلى القرارات خطورة في سلسلة القيمة، كتخطيط الطلب أو مخاطر المشتريات أو تدخّلات سلامة الغذاء، فسرعان ما يكفّ الذكاء الاصطناعي عن كونه شعارًا رنّانًا، ويصبح أسلوبًا منضبطًا لتحسين النتائج. وعزّز مارك هذه الفكرة بالنظر إليها من زاوية جودة المحاصيل، مذكّرًا إيانا بأن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على رفع الإنتاجية، بل يجب أن يساعد في إيصال غذاء صحي وميسور التكلفة إلى عدد أكبر من الناس وبموثوقية أعلى. ومن موقعي في T57، فهذا بالضبط حيث تلتقي التجارة الذكية وإشارات الأسعار والرؤية الآنية للعرض والطلب مع الذكاء الاصطناعي لمواجهة تقلّبات أسواق الغذاء.
أما السؤال الثاني، أي كيف يبدو الذكاء الاصطناعي المسؤول عمليًا، فقد استحضر الخبرة الثمينة للدكتورة غريس تومسون. إذ أكّدت أن الذكاء الاصطناعي في منظومات الغذاء لا يعمل في فراغ، بل ضمن أطر رقابية قائمة، وقواعد للتجارة عبر الحدود، وتوقعات عامة بشأن السلامة والخصوصية والعدالة. وفهمت من حديثها أن الامتثال ليس السقف بل الحدّ الأدنى. واتفقت معها في أن ما نحتاج إليه هو «حلزون ثلاثي: تعاون بين الحكومة وقطاع الأعمال وجامعات البحث والتطوير» لنقل الابتكارات الرائدة الجديرة بالثقة إلى السوق. وتناولنا كيف يتجسّد ذلك في نماذج مخاطر قابلة للتفسير، وممارسات شفافة في البيانات، وهياكل حوكمة تضم أطرافًا متنوعة، من المزارعين إلى المدافعين عن حقوق المستهلك.
وفي السؤال الثالث، أي كيف نتوسّع فعلًا، التقت عوالمنا جميعًا. تحدثنا عن النمط المألوف في هذا المجال: تجارب تنتج عروضًا تقديمية لا تغييرًا في المنظومة. واتفقنا على أن التوسّع يتطلب اجتماع ثلاثة شروط: ملكية واضحة لقرار محدد داخل المؤسسة، وبنية بيانات متينة وقابلة للتشغيل البيني، وإطار حوكمة قادر على التطور مع تغيّر النماذج والأسواق. وشاركت كيف نرى في عملنا أن نقطة التحول الحقيقية تأتي حين يُدمج الذكاء الاصطناعي في سير عمل التجار والمزارعين وفرق الخدمات اللوجستية، فتتوارى الخوارزمية في الخلفية، وتصبح القرارات الأفضل هي القاعدة الجديدة، أيًّا كانت معرفة المستخدم بالذكاء الاصطناعي.
وما جعل هذه الجلسة ذات معنى خاص بالنسبة إليّ هو تكامل الرؤى: نزعة المؤسس الباني إلى الفعل، والتزام رائد أعمال الغذاء بالتغذية وإتاحة الغذاء، وإصرار خبيرة السياسات على الحقوق والضمانات، وتركيزي على بنية الأسواق وتدفقات البيانات. فبدلًا من أن تتنافس هذه الزوايا، التقت في فهم مشترك بأن الذكاء الاصطناعي وسيلة لا غاية، وأن وعده الحقيقي يكمن في تنسيق قرارات أفضل على امتداد سلسلة القيمة الغذائية.
وقد ضاعف المكان نفسه من أثر كل ذلك. فقد رفع جلفود 2026 بوضوح سقف تنظيمه للحوارات حول التقنية والاستدامة والتجارة في قطاع الغذاء. وهيّأت احترافية فرق التنظيم وتنوّع الحاضرين بيئة أتاحت لنا أن نكون طموحين وصريحين في آن واحد. وحين غادرت الجلسة، لم أشعر بالحماس فحسب، بل بمسؤولية أكبر: أن نستثمر «هدية الوقت» التي يمنحنا إياها الذكاء الاصطناعي في بناء منظومات غذائية أذكى وأعدل وأكثر صمودًا للجميع.
____
شارك أفضل حسين محمد ناخيب متحدثًا في جلسة «التقنيات الرائدة والأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي: محرّكات استراتيجية للقيمة في منظومة غذائية ذكية» ضمن جلفود 2026 يوم 26 يناير 2026.
