في دول منظمة التعاون الإسلامي وخارجها، لا يزال ما يصل إلى 40% من المزارعين يستخدمون الأدوات اليدوية، ويواجهون تحديات هائلة أمام شبكات الوسطاء التي هيمنت على التجارة أكثر من مئة عام1. والنتيجة قاتمة: فالمزارعون في دول مثل الهند ومصر ونيجيريا لا يكادون يكسبون ما يسدّ رمقهم. والمقلق بالقدر نفسه أن المستهلك النهائي يدفع أسعارًا باهظة. فتصميم المنظومة يُثقل مجتمع المزارعين بضغوط لا توصف، تنتهي كثيرًا بانتحار مزارعين وتديم الفقر2 3. وهذه الأزمة من الاتساع بحيث تعجز الكلمات عن وصف عمقها. فلأغلب المزارعين في العالم، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 624 مليونًا4، يحوّل عدم اليقين القاسي الذي تفرضه المنظومة الزراعية والتجارية التقليدية أبسط آمال الحياة، أن يعيلوا، وأن يصمدوا، وأن يحلموا، إلى احتمالات بعيدة. ولم يبدُ لي ولعدد قليل من المقرّبين أن هذا مجرد فقر، بل تآكل مؤلم ومتواصل للكرامة والأمل. ولا يمكن للعالم أن يغضّ الطرف عن هذا الوجع، ولم نستطع نحن ذلك، لا سيما في زمن تستطيع فيه التقنية أن تصنع حلولًا لهذه المنظومة القاسية.
هل التقنية هي الحل الحقيقي؟
ثمة تحديات جسيمة أخرى في قطاع الغذاء. ففي المملكة العربية السعودية، حيث أقيم، حققنا تقدمًا كبيرًا في تطوير قطاعنا الزراعي، غير أن كثيرًا من مكاسب العقدين الماضيين يضيع: فالحقيقة المؤلمة أن هدر الغذاء يتجاوز 33%، ويكلّف الوطن 40 مليار ريال سنويًا. ويسعى برنامج وطني ضمن رؤية المملكة 2030 إلى خفض فقد الغذاء وهدره بنحو 50% بحلول عام 2030. وقد دفعتنا هذه الأرقام إلى التساؤل: ألا يمكننا إعادة ضبط المنظومة بتطبيق يمنح المزارعين وصولًا مباشرًا إلى الأسواق، مع شفافية في الأسعار وأدوات للتفاوض ومدفوعات فورية؟ وكان الجواب «نعم».
لكن سرعان ما تجاوز الجواب مجرد «نعم».
فخلال السنوات الثلاث الماضية، ومن خلال لقاءات مع مسؤولين حكوميين وخبراء غذاء دوليين وجهات مختصة في القطاع، اكتشفنا أن التقنية لا تملك فقط القدرة على تحدّي واقع عمره قرن وتغيير مصير المزارع، بل تستطيع أيضًا أن تعيد ضبط الساعة التي تدقّ منذرةً بأزمة الأمن الغذائي. وهذا ما دفعنا إلى العمل. لا أعرف العدد الدقيق للاجتماعات التي عقدتها لمناقشة تحويل فكرة التقنية بوصفها أداة لتعزيز الأمن الغذائي إلى واقع، لكنها دون مبالغة تتجاوز الألف.
التقينا مهندسين زراعيين، ومسؤولين حكوميين، وصانعي سياسات، وأكاديميين، ومستشارين ماليين، ومحللي سلاسل إمداد، وأعدادًا كبيرة من المزارعين البسطاء. وعرضنا أفكارنا على تجمّعات غذائية وشبكات زراعية ومراكز فكر في الصين والهند وإندونيسيا وكازاخستان وقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والولايات المتحدة ونيجيريا (وقد فقدت العدّ). وكان التجاوب هائلًا، حتى بتّ أميل إلى القول إننا على أعتاب اختراق حقيقي في الأمن الغذائي.
وهل يمكننا أيضًا الحدّ من هدر الغذاء؟
أنا مقتنع بأننا قادرون على حلّ أخبث التحديات التي تواجه منظومة الغذاء العالمية، بدءًا من دول منظمة التعاون الإسلامي السبع والخمسين والأسواق الناشئة. فنحن لا نستطيع فقط منع استنزاف القيمة من كل معاملة، بل نستطيع أيضًا الحدّ من هدر الغذاء ورفع إنتاج المزارع.
وهذا الإدراك هو ما أطلق T57، المنظومة المتكاملة التي تجمع المزارعين والبائعين والمشترين والحكومات. إنها منصة تدمج التجارة والزراعة والأمن الغذائي، بالجمع بين التقنية والشفافية وحضور ميداني يتخطّى الحدود والثقافات. وبجعل الأسعار والطلب وخيارات السوق والدعم مرئية لجميع المشاركين، تحوّل المنصة قوة السوق إلى منفعة عامة لا امتياز خاص.
كسر احتكار الوسطاء
دعوني أشارككم ثلاث ضرورات استراتيجية قادرة على قلب واقع الأمن الغذائي الحالي:
أولًا: يجب أن تتيح المنصات المعلومات للجميع. فحين يرى أصحاب المصلحة في الزراعة الأسعار المتنافسة، ويعرفون الطلب الحقيقي في السوق، ويفهمون ما يفعله الوسطاء في كل خطوة، يستطيعون التفاوض بإنصاف والاستثمار بثقة. وهذا ما أفضى إلى مزايا في T57، مثل البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي عن العروض التجارية، وأدوات التفاوض التي تتيح للمشترين تحديد الجودة (عضوي، غير معدّل وراثيًا، نسبة الكسر) والمنشأ وسعر العرض، وتلقّي مطابقات مصمّمة لهم في لحظات تقريبًا. وإعادة هندسة بنية السوق هذه ضرورية لكسر احتكار الوسطاء.
ثانيًا: يجب أن تعيد المنصات تصوّر المخاطر. فكثيرًا ما لا يجد المزارعون ملاذًا حين تتعثّر الصفقات أو يتحرّك السوق ضدهم. وبدمج العقود الذكية وقدرات التحوّط في منصة T57، تنشئ المنظومة اتفاقات متينة قابلة للتنفيذ وقدرات لإدارة المخاطر. وتتم تحويلات المدفوعات فورًا، باستخدام عملات مشفّرة مدعومة بالعملات الرسمية عند الحاجة. فتنتقل الثقة من الأمل إلى الحساب، ويُقضى على الاستغلال قبل أن يستشري.
ثالثًا: يجب أن تجعل المنصة النتائج العادلة أولوية. فمجرد رقمنة الأنظمة القائمة قد يضاعف الظلم؛ بل يجب أن تبني «أسواق بيانات للكثيرين»، لا إمبراطوريات رقمية للقلّة. وهذا يعني ربط المزارع مباشرة بالمشترين المحليين والدوليين، وتمكين صغار المزارعين من الانضمام إلى مجمّعين موثّقين، وتقييم المشترين والبائعين وفق معايير موضوعية مثل السجل المصرفي وحجم التداول والموثوقية.
والتحدي ليس تقنيًا بل تنظيمي: أن نغيّر العقليات بقدر ما نغيّر قوائم السوق. والدرس واضح لصانعي السياسات والتقنيين: لن يحدث تحوّل حقيقي في الأمن الغذائي إلا حين تُدمج الثقة والشفافية والوصول المباشر في كل معاملة.
إننا نعيد تصوّر منظومة الغذاء، وأدعوك إلى الانضمام إلينا لنجعلها منظومة قائمة على الجدارة والإنسانية، تهدي فيها الاستدامة والعدالة والكرامة كل خطوة من سلسلة القيمة. وسنسعى إلى ألا ينام أحد جائعًا، ونأمل أن نرى ذلك في حياتنا.
____
في الهند، يعتمد أكثر من 80% من صغار المزارعين على الأدوات اليدوية، Farmonaut
أكثر من 112 ألف حالة انتحار في القطاع الزراعي الهندي خلال 10 سنوات، Statista، 15 مايو 2024.
أكثر من 50% من الأسر الزراعية مثقلة بالديون، وديون المزارع ارتفعت 58% في 5 سنوات: مسح المكتب الوطني للإحصاء، The Wire، 11 سبتمبر 2021
أولاف إرنشتاين، وجوردان تشامبرلين، وكاي سوندر، المزارع حول العالم: آفاق 2020 و2030، Sage Journals، المجلد 50، العدد 3، 21 يونيو 2021
قطاع الغذاء والزراعة في التقرير السنوي لرؤية المملكة 2030 لعام 2024، Saudi Foodtech، 26 أبريل 2025
