في التجارة العالمية، تحرم فجوة تمويلية تبلغ 2.5 تريليون دولار أعدادًا لا تُحصى من الشركات من المشاركة في التبادل التجاري، والقطاع الزراعي من أشدّ المتضررين. فالمزارعون والتعاونيات والمصنّعون والمنشآت الزراعية الصغيرة والمتوسطة يكافحون لتأمين رأس المال العامل اللازم لشراء المدخلات ودفع الأجور ونقل البضائع والوفاء بعقود التصدير، مع أن العالم ينتج من الغذاء ما يكفي الجميع. والنتيجة مفارقة: يُزرع الغذاء، لكنه كثيرًا لا يصل إلى أحوج الناس إليه.
والحقيقة القاسية أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة العاملة في التجارة تواجه رفضًا لطلبات التمويل بنسبة 40 إلى 45%، مقابل 7 إلى 11% للشركات الكبرى. وهذا يعني عمليًا أن أغلب المزارعين لا يستطيعون تمويل البذور والأسمدة، وأن التعاونيات لا تحصل على خطابات الاعتماد اللازمة للتصدير، وأن مصنّعي القيمة المضافة يبقون أسرى دوائر الاستثمار المحدود. وفي الوقت ذاته، تتسبّب خسائر ما بعد الحصاد وهدر الغذاء معًا في أضرار اقتصادية تقارب تريليون دولار سنويًا، وتسهم بنحو 8 إلى 10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم. ومع أن الزراعة تشعر بفجوة تمويل التجارة أكثر من غيرها، فإننا جميعًا ندفع ثمنها: نقصًا في التغذية وتفاقمًا لخطر تغيّر المناخ.
فالنظام التقليدي لم يُصمَّم ببساطة لأغلب المزارعين ولا لواقع الريف. ولا تزال المستندات التجارية الورقية هي السائدة، إذ تتداول منظومة التجارة العالمية مليارات الصفحات سنويًا. وقد تستغرق شحنة واحدة عابرة للحدود 15 يومًا أو أكثر حتى يُتحقق من مستنداتها وتُعالج، فيبقى رأس المال العامل محتجزًا والمنتجات تنتظر في المستودعات أو الموانئ.
ووراء هذه المشكلة منطق اقتصادي بسيط: فالتكاليف الثابتة للامتثال والمستندات تجعل معالجة صفقة بقيمة 50 ألف دولار لمزارع تكلّف المصرف تقريبًا ما تكلّفه صفقة بقيمة 5 ملايين دولار لعميل من الشركات الكبرى. ومن الطبيعي أن يقدّم المصرف عميله الكبير على المزارعين والمجتمع الزراعي.
تعالج T57 هذه العوائق باستبدال تعقيدات الإجراءات التقليدية ببنية رقمية قائمة على الذكاء الاصطناعي، صُمّمت خصيصًا للغذاء والزراعة. فـ T57 في جوهرها منصة موحّدة تجمع المزارعين والتعاونيات والتجار ومزوّدي الخدمات اللوجستية وجهات الاعتماد والمصارف والمستثمرين والحكومات في ممر رقمي واحد موثوق. وبدلًا من أنظمة متفرقة وتجارب معزولة، تربط T57 الإنتاج والتجارة والتمويل والامتثال في منظومة واحدة مصمّمة للشمول والشفافية.
وتقوم إمكانية التتبّع في هذا النموذج على تقنية البلوك تشين، إذ يمكن تسجيل كل حركة للمنتجات، من المزرعة إلى التخزين فالتصنيع فالنقل فالبيع، في سجل مقاوم للتلاعب. وهذا يمنح شركات التأمين والجهات التمويلية بيانات موثّقة تسعّر بها المخاطر بدقة أكبر. كما تدعم البنية ذاتها رموز الأمن الغذائي في عدة دول، فتتيح أدوات جديدة للتمويل الشامل داخل منظومة الأغذية الزراعية.
ويضيف الذكاء الاصطناعي طبقة الذكاء التي تفتقر إليها المنصات التقليدية. إذ تحلّل نماذجه سجلات التعاملات وبيانات «اعرف عميلك» و«اعرف نشاطك التجاري» للبائعين والمشترين لخفض تكاليف الامتثال، فتساعد المصارف والمستثمرين على خدمة العملاء الزراعيين على نطاق واسع. واجتماع البيانات والذكاء يحوّل الامتثال من مركز تكلفة إلى عامل تمكين استراتيجي لتمويل التجارة الزراعية.
وعلى صعيد التمويل، تدمج T57 أدوات متعددة مباشرة في مسار التجارة. فالمنتجات المصرفية المرنة، وخطابات الاعتماد شبه الفورية، والتسوية القائمة على العقود الذكية مدمجة في المنصة، مستعينةً بالأصول الرقمية والعملات المستقرة لتقليص مدة التسوية من أيام إلى دقائق. كما تساعد العملات المستقرة المدعومة بالذهب وأدوات التحوّط على حماية المزارعين والشركات الزراعية من تعقيدات التعامل عبر الحدود وتقلّب الأسعار، وهي مخاطر طالما أبعدت كثيرًا من المؤسسات المالية عن صغار العملاء الزراعيين.
وأبعد من التقنية، صُمّمت T57 لتكون منظومة متكاملة. فهي تعمل مع مراكز تمكين المزارعين، ومراكز التصنيع ذات القيمة المضافة، وشبكات التوزيع، والتعاونيات، لتعزيز كل مرحلة من دورة الغذاء من المزرعة إلى المائدة. وتمنح أطر الزراعة التعاقدية المزارعين أسعارًا متوقعة والتزامًا مسبقًا بالشراء. وفي الوقت ذاته، تكافئ برامج أرصدة الكربون الممارسات الذكية مناخيًا، وتخلق مصادر دخل إضافية يمكن تمويلها وتداولها على المنصة. وهذا يعني لتمويل التجارة مشاريع أكثر قابلية للتمويل المصرفي، وضمانات أقوى، وفرصًا زراعية قابلة للاستثمار أوفر عددًا.
والدرس من تجربة T57 واضح: حلّ مشكلة تمويل التجارة الزراعية لا يقتصر على إقراض مزيد من المال، بل يتطلّب إعادة تصميم المنظومة التي تنقل المال والبضائع والمعلومات. فبتوحيد المستندات الرقمية والمدفوعات القابلة للبرمجة والامتثال المدعوم بالذكاء الاصطناعي والمنتجات المالية الشاملة على منصة واحدة، تقدّم T57 مخططًا لكيفية تضييق العالم لفجوة تمويل التجارة، وبناء اقتصادات متينة تنعم بالأمن الغذائي.
ملاحظة: دُعي الكاتب إلى قمة تمويل التجارة السعودية في الرياض في نوفمبر 2025، حيث ألقى الكلمة الرئيسية، وهذا المقال مقتبس منها.
